باستحضار القانون التنظيمي رقم 113.14 وقانون الجبايات المحلية رقم 47-06، بين مراحل إعداد وتنفيذ ميزانية الجماعة ومسطرة التعامل القانوني مع عجز الميزانية والآثار المترتبة على التوازن المالي للجماعة؟

top

إعداد وتنفيذ ميزانية الجماعة ومساطر التعامل مع عجز الميزانية - إجابة نموذجية

شعار

مقدمة

إن إعداد وتنفيذ ميزانية الجماعات الترابية يعد أحد الركائز الأساسية لتدبير الشأن المحلي وتحقيق التنمية القاعدية. يندرج هذا الموضوع في إطار مبادئ الحكامة المالية واللامركزية التي أكد عليها المشرع من خلال القانون التنظيمي رقم 113.14، الذي ينظم هياكل واختصاصات الجماعات الترابية ويؤطر صلاحيات المجالس والمنتخبين بشأن الموارد والنفقات. ويتكامل ذلك مع قواعد تحصيل الموارد المحلية وتنظيمها وفق قانون الجبايات المحلية رقم 47-06، ومع الإطار التقني للمحاسبة العمومية والميزانية المطبّق على الجماعات كما يتجسد في النصوص التنظيمية التنفيذية ومن ضمنها المرسوم رقم 2.22.431 وقوانين المالية العامة (من قبيل مقتضيات قانون 55.19 وما تلاه). يهدف هذا العرض إلى تحديد مراحل إعداد وتنفيذ الميزانية، وبيان المسطرة القانونية للتعامل مع عجز الميزانية، مع إبراز آثار ذلك على التوازن المالي للجماعة واقتراح تدابير عملية لمعالجته.

عرض

أولا: مراحل إعداد ميزانية الجماعة

عملية إعداد الميزانية تمر بمنهجية قانونية وإجرائية محددة تجسّد مبدأ التخطيط والمساءلة:

  • التحضير المسبق والتخطيط الاستراتيجي: إعداد قواعد تقدير الموارد والنفقات بالاعتماد على الخطة التنموية والبرامج الاستثمارية للجماعة والمخططات القطاعية. ويستلزم ذلك مطابقة الاختيارات مع اختصاصات الجماعة المحددة في القانون التنظيمي رقم 113.14.
  • التصنيف والهيكلة: اعتماد تصنيف الميزانية إلى موازنة تسييرية (مصروفات جارية وعائدات جارية) وموازنة استثمارية (مشاريع واستثمارات)، وفق الضوابط المحاسباتية والتنظيمية، بما ينسجم مع المقتضيات التطبيقية للمرسوم رقم 2.22.431 الذي يؤسس قواعد لتصنيف واعتماد البنود والوثائق المالية.
  • تقدير الموارد: احتساب الموارد الذاتية (الجبايات المحلية وفق قانون 47-06: رسوم وضرائب محلية)، المنح والدعم المركزي، ومداخيل ممتلكات الجماعة ومصادر أخرى.
  • صياغة مشروع الميزانية وإيداعه للمجلس الجماعي: يقدم المشروع من طرف الرئيس أو السلطة التنفيذية المحلية إلى المجلس للمناقشة، مع نشر الوثائق القانونية اللازمة واحترام آجال المصادقة المنصوص عليها في النصوص التنظيمية.
  • المناقشة والتصويت: يعرض المشروع على جلسة علنية للمجلس للمناقشة والتصويت، مع إمكانية إدراج تعديلات موازنية توافقية، علماً أن التوازن بين الموارد والنفقات يبقى مبدأ أساسياً كما يفرضه الإطار القانوني العام.

ثانيا: مراحل تنفيذ ميزانية الجماعة

تنفيذ الميزانية يخضع لمجموعة تدابير إدارية ومحاسباتية تهدف إلى تحقيق التوازن المالي والشفافية:

  • الإجراءات التمهيدية والتنظيمية: تنظيم محاسبة الجماعة، فتح اعتمادات، تكليف المصالح المعنية، واعتماد أوامر الدفع والتحصيل وفق قواعد المحاسبة العمومية المطبقة (مقتضيات قوانين المالية ومرسوم 2.22.431).
  • التفويضات والاعتمادات: تنفيذ النفقات يكون داخل الحدود المعتمدة، مع إمكانية إجراء مناقلات بين الاعتمادات ضمن الشروط التي يحددها القانون والتنظيم، ومع مراقبة الالتزام بالقوانين مثل قانون الجبايات المحلية رقم 47-06 فيما يتعلق بتحصيل الموارد.
  • التتبع والمراقبة: إعداد تقارير مرحلية عن الوضعية المالية، واستخلاص الحساب الإداري (الحساب بتصفية أعمال السنة) الذي يعرض على المجلس للمصادقة، ومن ثّم الحساب الإداري يصبح مرجعا للمراقبة من الجهات الإدارية والمالية.
  • الرقابة القانونية والمالية: تُخضع عمليات التنفيذ لرقابة داخلية ومراقبة خارجية من طرف المصالح المركزية والجهوية المختصة (الولاة أو العمالة، وزارة الداخلية) وأجهزة الرقابة المحاسبية إن وجدت، وذلك لضمان مشروعية النفقات وسلامة التحصيل.

ثالثا: مسطرة التعامل القانوني مع عجز الميزانية

في حال ظهور عجز فعلي أو محتمل في ميزانية الجماعة، فإن المشيخة القانونية والإدارية تفرض اتباع مسطرة متعددة المراحل، تهدف إلى استعادة التوازن المالي مع احترام القواعد القانونية:

  1. التشخيص وتقديم المعلومات للمجلس: إعداد تقرير مفصل يوضح أسباب العجز (تراجع الموارد، ارتفاع النفقات الجارية، تأخر المنح المركزية، مشاريع طارئة). ويقدم هذا التقرير إلى المجلس لاتخاذ القرارات الملائمة.
  2. إجراءات وقائية داخلية: تقليص النفقات غير الضرورية، تجميد النفقات الاستثمارية غير الملحّة، تشديد تحصيل الجبايات المحلية (تنفيذ مقتضيات قانون 47-06)، وتحسين إدارة المداخيل المستحقة.
  3. الملاءمة الموازنية والتعديل: تقديم مشروع ميزانية تعديلية أو اعتماد مناقلات بين الاعتمادات وفق القواعد المنصوص عليها في التنظيم المالي، وذلك لإعادة التوازن ضمن السنة الجارية أو عبر ميزانية لاحقة.
  4. التح recours إلى الموارد الخارجية: في حالات محددة يمكن اللجوء إلى الاقتراض أو طلب منحة استثنائية من الدولة أو الجهة، مع احترام القيود القانونية المفروضة على الاقتراض الجماعي وشروط المصادقة والترخيص (إذن السلطة الوصية أو الهيئات المركزية المختصة حسب الأوضاع القانونية)."
  5. المراقبة والمتابعة بعد التدخل: عرض الإجراءات المتخذة على الجهات الرقابية واعتماد خريطة طريق لإعادة التوازن على المدى المتوسط.

رابعا: الآثار المترتبة على التوازن المالي للجماعة

لعجز الميزانية آثار سلبية مباشرة وغير مباشرة على قدرة الجماعة على تلبية حاجيات المواطنين ومواصلة مشاريع التنمية:

  • تراجع الاستثمار المحلي: تجميد مشاريع استثمارية يؤدي إلى تباطؤ التنمية المحلية وفقدان منافع اقتصادية واجتماعية.
  • تهديد الاستمرارية المالية: ارتفاع العجز يمكن أن يزيد خدمة الدين ويقيد قدرة الجماعة على الاقتراض مستقبلا.
  • مشكلات في تقديم الخدمات: نقص الموارد الجارية ينعكس على جودة الخدمات الأساسية وصيانة البنية التحتية.
  • مخاطر قانونية وإدارية: قد تترتب على العجز مراقبة مشددة من الجهات الوصية، وإمكانية اتخاد تدابير تصحيحية أو فرض قيود على بعض الصفقات أو الاعتمادات.

خامسا: اقتراحات وتدابير عملية للتقوية والوقاية

انطلاقا من التشخيص أعلاه ومن مقتضيات الإطار القانوني (القانون التنظيمي رقم 113.14، قانون الجبايات المحلية رقم 47-06، المرسوم رقم 2.22.431، وأحكام قوانين المالية مثل 55.19)، يمكن اقتراح تدابير عملية:

  • تحسين التصنيف والمراقبة المحاسبية: تفعيل المقتضيات التطبيقية للمرسوم 2.22.431 لضمان شفافية وتتبع بنود الميزانية.
  • تقوية تحصيل الموارد الذاتية: تنفيذ سياسة فعّالة لتحصيل الجبايات المحلية وفق 47-06، مع تبسيط الإجراءات وتحديث قواعد البيانات العقارية والتجارية.
  • تبني موازنات برمجية: ربط الاعتمادات بالأهداف والمؤشرات لمراقبة مردودية النفقات وتحقيق اقتصاديات حقيقية.
  • تنويع الموارد واللجوء للشراكات: استكشاف شراكات عمومية-خاصة، طرح مشاريع مجدية مالياً، والاستفادة من برامج تمويل جهوي ووطني.
  • تعزيز الرقابة والحوكمة: اعتماد نظم داخلية للرقابة، تخطيط مالي متوسط المدى، وتدابير للشفافية والمساءلة أمام الساكنة والمراجع القانونية.

ملاحظة تطبيقية: يتعين على الجماعات إعمال النصوص القانونية ذات الصلة عند كل إجراء (مثل مواقيت إعداد المصادقات، شروط الاقتراض، ومساطر تعديل الميزانية) والتنسيق مع الوصاية والمصالح المركزية لتجنب إجراءات قانونية أو مالية تضر بالتوازن المالي.

خاتمة

خلاصة القول إن إعداد وتنفيذ ميزانية الجماعة يشكل عملية قانونية وإدارية مركزية تضمن استمرارية الخدمات وتحقيق التنمية المحلية. يفرض الإطار القانوني (القانون التنظيمي رقم 113.14، قانون الجبايات المحلية رقم 47-06، المرسوم رقم 2.22.431، ومقتضيات قوانين المالية كقانون 55.19) التزام الجماعات بمبادئ التوازن والشفافية والمساءلة. مواجهة عجز الميزانية تقتضي تشخيصًا دقيقًا، تعبئة أدوات التقشف المؤقتة، اعتماد تعديلات موازنية ومساطر تحصيل فعالة، وربما اللجوء إلى موارد تمويلية خارجية ضمن الضوابط القانونية. إن اعتماد مقاربة حكمية ومالية واستراتيجية طويلة المدى سيعزز من توازن الجماعات ويقوي قدرتها على تنفيذ برامجها التنموية، كما يرفع من ثقة المواطن في تدبير الشأن المحلي.


التعبيراتالتعبيرات

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.