أدوار الجماعات الترابية في مواجهة جائحة فيروس كورونا كوفيد -19 والدروس المستخلصة

التصنيفات
top

مقال حول أدوار الجماعات الترابية في مواجهة جائحة فيروس كورونا كوفيد -19 والدروس المستخلصة ، من إنجاز أحمد ازرقان طالب باحث بماستر الحكامة وسياسة الجماعات الترابية بتطوان.


مقدمة:

اجتاحت جائحة فيروس كورونا كوفيد-19 بقاع العالم، فتم الإعلان عنه لأول مرة في مدينة "ووهان" الصينية خلال دجنبر2019 لينتشر بعدها هذا المرض ويتطور   بشكل خطير هدد دول العالم بأسره .
فعلى المستوى الوطني فقد بادرت الحكومة إلى العديد من الإجراءات الإحترازية لحماية المواطنين من هذا الوباء الفتاك، حيث اتخذت قرار إغلاق الحدود البرية والجوية والبحرية لتفادي دخول الفيروس إلى التراب الوطني، وإلغاء التجمعات والتظاهرات الرياضية والثقافية والفنية، وتعليق الجلسات بمختلف محاكم المملكة، والإغلاق المؤقت للمساجد، وصولا إلى فرض الحجر الصحي على المواطنين وعزل المصابين ومنع التنقل إلا برخص استثنائية تصدرها السلطات في محاولة لوقف انتشار هذا الفيروس المستجد، كما حاولت الحكومة تجاوز القصور التشريعي في مجال إقرار حالة الطوارئ الصحية ومواجهة تداعياتها من الناحية الأمنية والاقتصادية فتدخلت بإصدار نصوص قانونية تتمثل في:
- مرسوم رقم 2-20 -269 الصادر بتاريخ 16 /03 /2020 بإحداث حساب مرصد لأمور خصوصية يحمل اسم "الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا كوفيد-19 ".
- مرسـوم بقانون رقم 2-20 -292 بتاريخ 23 /03 /2020 يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها..
- مرسوم رقم 2-20-293 بتاريخ 24 /03 /2020 ،بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا كوفيد19.
وبعيدا عن الاشكاليات المثارة في هذا الشأن فإننا سنحاول تناول حالة الطوارئ الصحية التي يعيشها المغرب بمقاربة ترابية ،من خلال بيان دور للجماعات الترابية بما فيها الجهات والعمالات والاقاليم والجماعات في مواجهة وباء كورونا فيروس كوفيد 19 وايضا التدابير التي يكمن اتخاذها من قبل الجماعات الترابية في مجال حالة الطوارئ الصحية طبقا للقوانين التنظيمية المنظمة لها  111.14 المتعلق بالجهات و112.14 المتعلق بالعمالات والاقاليم، والقانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات وهذا ما يضعنا امام العديد من الاشكاليات والاسئلة التي يمكن لنا التطرق اليها في هذا المقال ونقتصر على بعضها :
ما هي الامكانات التي يتيحها القانون لتدخل الجماعات الترابية لمواجهة الاوبئة والكوارث الطبيعية بصفة عامة؟
ماهي حدود تدخل الجماعات الترابية لمواجهة الجائحة؟
وايضا ماهي النتائج المستخلصة من الجائحة؟ وايضا الدروس والتدابير المستقبلية التي يجب الأخذ بها؟

الفقرة الاولى : اختصاصات الجماعات الترابية في مجال محاربة الاوبئة (فيروس كورونا نموذجا) .
الفقرة الثانية : دور الجماعات الترابية في مجال الشرطة الادارية .
الفقرة الثالثة : الدروس المتسخلصة من جائحة كورونا بالنسبة للجماعات الترابية 
الفقرة الاولى : اختصاصات الجماعات الترابية في مجال محاربة الاوبئة  (فيروس كورونا نموذجا)
فالجماعات الترابية بما فيها الجهات ومجالس العمالات والأقاليم والجماعات، تتولى طبقا للقوانين التنظيمية المنظمة لها، ممارسة العديد من الاختصاصات التي يمكن من خلالها مواجهة وباء كورونا والحد منه مع ما يترتب عن ذلك من وقف العدوى، والمساهمة في تحقيق حماية الأشخاص العامة وتحقيق المصلحة العامة .
فعلى مستوى الجهات واستنادا إلى مقتضيات القانون التنظيمي 14.111 المتعلق بالجهات ، تتولى الجهات مجموعة من الاختصاصات (الذاتية، والمشتركة، والمنقولة) وبالتمعن في الاختصاصات الذاتية للجهات يتبين بأنها لا تخول للجهات صلاحيات مباشرة في علاقة بمكافحة الأوبئة.
أما على مستوى الاختصاصات المشتركة ، فالجهات تمارس بشكل تعاقدي مع الدولة مجموعة من الاختصاصات التي يمكن تفعيلها لمواجهة الجائحة، نذكر منها:
  • البحث العلمي التطبيقي،
  • تعميم التزويد بالماء الصالح للشرب والكهرباء وفك العزلة،
  • المساعدة الاجتماعية،
  • التأهيل الاجتماعي،
كما يمكن للجهات أن تتولى ممارسة بعض الاختصاصات المنقولة من طرف الدولة (المبادرة تكون هنا للدولة)، ومنها ما يلي:
  • الصحة،
  • التعليم،
  • الطاقة والماء والبيئة،
اما على مستوى العمالات والاقاليم عملا بمقتضيات القانون التنظيمي 14.112 المتعلق بمجالس العملات والأقاليم، يعهد لهذه المجالس بصلاحية ممارسة بعض الاختصاصات بالوكالة عن كل أو بعض الجماعات الموجودة بترابها إذا تبينت نجاعة ذلك، إما بمبادرة من الجماعات المعنية أو بطلب من الدولة التي تقدم تحفيزات لهذه الغاية، ويشترط في جميع الحالات موافقة مجالس الجماعات المعنية (المادة 6).
كما تعمل هذه المجالس طبقا لمقتضيات المادة 78 من القانون التنظيمي المتعلق بها، على القيام بما يلي:
توفير التجهيزات والخدمات الأساسية خاصة في الوسط القروي؛
تفعيل مبدأ التعاضد بين الجماعات، وذلك بالقيام بالأعمال وتوفير الخدمات و إنجاز المشاريع أو الأنشطة التي تتعلق أساسا بالتنمية الاجتماعية بالوسط القروي؛
محاربة الإقصاء والهشاشة في مختلف القطاعات الاجتماعية؛
وفي نطاق الاختصاصات الذاتية لمجالس العمالات والأقاليم، وطبقا للمادة 79 من القانون التنظيمي 112.14 تمارس هذه الأخيرة مجموعة من الاختصاصات منها ما يلي:
وضع و تنفيذ برامج للحد من الفقر و الهشاشة؛  
تشخيص الحاجيات في مجالات الصحة والسكن والتعليم والوقاية وحفظ الصحة ؛
ومن بين الاختصاصات المشتركة بين مجالس العمالات والأقاليم والدولة، طبقا للمادة 86 من القانون التنظيمي 112.14  نذكر ما يلي:
تأهيل العالم القروي في ميادين الصحة والتكوين والبنيات التحتية والتجهيزات؛
تنمية المناطق الجبلية والواحات؛
الإسهام في تزويد العالم القروي بالماء الصالح للشرب والكهرباء؛
التأهيل الاجتماعي في الميادين التربوية والصحية والاجتماعية والرياضية؛

اما على مستوى الجماعات و طبقا لمقتضيات القانون التنظيمي 113.14 المتعلق بالجماعات، تتولى الجماعات تقديم خدمات القرب باعتبارها اقرب وحدة للمواطنين والسكان بشكل عام ، وتتولى ممارسة اختصاصات ذاتية، واختصاصات مشتركة مع الدولة، واختصاصات منقولة اليها من هذه الاخيرة.
 ومن بين الاختصاصات الذاتية التي تقوم بها الجماعة عادة، طبقا للمادة 83من القانون التنظيمي للجماعات 113.14 اذ انها يجب أن تقدم بشكل جيد وأفضل خلال فترة الطوارئ الصحية نذكر ما يلي:
توزيع الماء والكهرباء، من خلال الحرص على تزويد الساكنة بهذه المادة الحيوية خصوصا في هذا الظرف الخاص الذي يتطلب استعمالا كبيرا للماء في غسل الأيدي والاستحمام وتنظيف الملابس والبيوت وجميع المواد المستعملة كتدبير وقائي من شأنه الحماية من انتقال الفيروس.
تنظيف الطرقات والساحات العمومية وجمع النفايات المنزلية والمشابهة لها ونقلها إلى المطارح ومعالجتها وتثمينها، وكتدبير رئيسي في هذا الخصوص فالجماعات ملزمة بتنظيف وتعقيم جميع الفضاءات العمومية الواقعة في دائرة النفوذ الترابي للجماعة بما فيها الشوارع والأزقة وأسواق الجملة وأسواق القرب والأسواق الأسبوعية...وهذه العملية يجب أن تتم بشكل مستمر ومتواتر تفاديا لانتشار الفيروس.
نقل الأموات والدفن، فالأشخاص المتوفون بسبب الفيروس يجب أن يخضعوا لإجراءات خاصة في عمليات الدفن، ولذلك يمكن للجماعات أن تتولى عملية نقلهم ودفنهم، ويمكن لمكتب حفظ الصحة أن يشرف على هذا الأمر، وهذا ما من شأنه ضمان عدم انتشار الفيروس، والرفع نسبيا من معنويات أسر الضحايا.
وبالنسبة للجماعات الفقيرة من حيث الموارد المالية، يمكنها الاستفادة من التعاضد بين الجماعات وذلك عن طريق إسناد ممارسة بعض الاختصاصات لمجالس العمالات والأقاليم طبقا للشروط المنصوص عليها في المادة 84 من القانون التنظيمي للجماعات والمادة 6 من القانون التنظيمي لمجالس العمالات والأقاليم.
وعلى مستوى الاختصاصات المشتركة والتي تمارس بين الجماعة والدولة بشكل تعاقدي، إما بمبادرة من الدولة أو بطلب من الجماعة فالجماعات يجب أن تساهم في صيانة المستوصفات الصحية الواقعة في النفوذ الترابي للجماعة.
وإلى جانب مجموع الاختصاصات التي تتولى ممارستها الجماعات، فالقانون التنظيمي 14.113 في مادته 110 منه يخول لرؤساء مجالس الجماعات صلاحيات الشرطة الإدارية في ميادين الوقاية الصحية والنظافة والسكينة العمومية وسلامة المرور، وذلك عن طريق اتخاذ قرارات تنظيمية بواسطة تدابير شرطة فردية تتمثل في الإذن أو الأمر أو المنع. ومن بين الصلاحيات التي يجب على رؤساء مجالس الجماعات تفعيلها و المنصوص عليها في المادة 100  بشكل كبير في هذا الظرف الطارئ لمواجهة جائحة كورونا نذكر ما يلي:
السهر على احترام شروط نظافة المساكن والطرق وتطهير قنوات الصرف الصحي وزجر إيداع النفايات بالوسط السكني والتخلص منها؛
تنظيم الأنشطة التجارية والحرفية والصناعية غير المنظمة التي من شأنها أن تمس بالوقاية الصحية والنظافة وسلامة المرور والسكينة العمومية أو تضر بالبيئة والمساهمة في مراقبتها؛
مراقبة محلات بيع العقاقير والبقالة ومحلات الحلاقة وبيع العطور، وبصورة عامة كل الأماكن التي يمكن أن تصنع أو تخزن أو تباع فيها مواد خطيرة؛
السهر على احترام الضوابط المتعلقة بسلامة ونظافة المحلات المفتوحة للعموم خاصة المطاعم والمقاهي وقاعات الألعاب والمشاهد والمسارح وأماكن السباحة، وكل الأماكن الأخرى المفتوحة للعموم، وتحديد مواقيت فتحها وإغلاقها؛ اتخاذ التدابير الرامية إلى ضمان سلامة المرور في الطرق العمومية وتنظيفها وإنارتها، ...
المساهمة في مراقبة جودة المواد الغذائية والمشروبات والتوابل المعروضة للبيع أو للاستهلاك العمومي
السهر على نظافة مجاري المياه والماء الصالح للشرب وضمان حماية مراقبة نقط الماء المخصصة للاستهلاك العمومي ومياه السباحة؛
اتخاذ التدابير اللازمة لتجنب أو مكافحة انتشار الأمراض الوبائية أو الخطيرة، وذلك طبقا للقوانين والأنظمة المعمول بها؛
اتخاذ التدابير اللازمة للوقاية من الحريق والآفات والفيضانات وجميع الكوارث العمومية الأخرى؛ ممارسة شرطة الجنائز والمقابر واتخاذ الإجراءات اللازمة المستعجلة لدفن الأشخاص المتوفين بالشكل اللائق، وتنظيم المرفق العمومي لنقل الأموات ومراقبة عملية الدفن واستخراج الجثث من القبور طبقا للكيفيات المقررة في القوانين والانظمة الجاري بها العمل.
ان كل هذه الصلاحيات والاختصاصات التي تتمتع بها الجماعات الترابية من اجل الحفاظ على الصحة العامة والسكينة سواء الذاتية او المشتركة بينها وبين الدولة منصوص عليها في القوانين التنظيمية لهذه الاخيرة، هذا ما سيجعلنا نتطرق اليه في النقطة الثانية عن اهمية الشرطة الادارية الجماعية وصلاحيات المجلس والسلطات المحلية في مجال الحفاظ على الامن العام والصحة العامة .
الفقرة الثانية : دور الجماعات الترابية في مجال الشرطة الادارية

     ان الملاحظ من خلال القوانين التنظيمية للجماعات الترابية نلاحظ غياب شبه كلي للمجال الصحي داخل الاختصاصات الذاتية للجهات والعمالات والاقاليم وبالعودة الى الاختصاصات الذاتية للجهات والعمالات والاقاليم او المشتركة مع الدولة، سنجد ان مجال تدخل الفاعل الترابي محدود بشكل كبير في المجال الصحي سواء في الحالة العادية او الحالة الطوارئ الصحية، حيث كشف انتشار هذا الوباء الحضور الغير المتناسب مع المكانة الدستورية التي اعطيت للجماعات الترابية .
وبالرغم من المكاسب العديدة التي أتت بها القوانين التنظيمية التي تهدف أساسا الى تقوية دور الجهات والعمالات والاقاليم، اظهرت الممارسة العملية محدودية الصلاحيات الموكول اليها في المجال الصحي، بل وفراغا قانونيا حتى على مستوى التدابير اللازمة الناتجة عن انتشار الامراض الوبائية او الخطيرة.
وارتباطا بالاختصاصات الذاتية للجهات، يتضح ان المشرع اغفل هذا المجال رغم اهميته .
اما على مستوى الاختصاصات المشتركة بينها وبين الدولة لم يتضمن القانون التنظيمي اية اشارة لتدخل الجهة في ميدان الصحي، ماعدا في مجال التنمية الاجتماعية التي همت التأهيل الاجتماعي والمساعدة الاجتماعية دون تحديد ان كان مجال الصحة ضمن هذه التنمية، واذا ما كانت الجهات منعدمة من اختصاصات ذاتية في هذا المجال فإن تدخل العمالات والاقاليم حسب احكام القانون التنظيمي المتعلق بها، قد حدد آلية واحدة تتمثل في تشخيص الحاجيات كأهم اختصاص ذاتي يمكن ان تمارسه في مجال الصحة .
على غرار الجهات والعمالات والاقاليم، فقد خص المشرع للجماعات داخل دائرتها الترابية بمهام تقديم خدمات القرب للمواطنات والمواطنين، ولهذه الغاية تمارس الجماعة اختصاصات ذاتية واختصاصات مشتركة مع الدولة واخرى منقولة اليها من طرف هذه الاخيرة ،كما يمكن الرجوع اليها بتفصيل في الفقرة الاولى التي تناولنا فيها الشق المتعلق بالجماعات.
وفي حالة الطوارئ الصحية، وارتباطا بالمسؤولية الموكولة لمجالس الجماعات في محاربة الاوبئة وحفظ الصحة، تشكل الميزانية المدخل الفعال لاتخاذ التدابير اللازمة للمساهمة في مكافحة انتشار الفيروس، من خلال اجراء تحويلات بميزانية الجماعة لفائدة قطاع حفظ الصحة والاستغناء عن الاسطرالمالية غير الضرورية ،المحددة في تبويب ميزانية الجماعة.
 اما بخصوص الشرطة الادارية في حالة الطوارئ الصحية، فالأصل العام تعتبر الشرطة الادارية هي تلك الوسيلة القانونية التي تبيح للإدارة التدخل للحفاظ على النظام العام بكافة مدلولاته، وهو اختصاص موكول لرئيس الحكومة، حيث ان الفصل 90 من الدستور اعطى لرئيس الحكومة صلاحيات ممارسة السلطة التنظيمية، فهو يمارس بهذه الصفة، الشرطة الادارية الوطنية.
اما على المستوى الترابي، فقد تم توزيع مهام الشرطة الادارية بين رؤساء مجالس الجماعات طبقا لأحكام المادة 100 من القانون التنظيمي للجماعات من جهة، والعمال او من ينوب عنهم طبقا لأحكام المادة 110 من جهة ثانية.
وتبعا لخطورة الانتشار السريع لفيروس كوفيد 19 وما يشكله من تهديد للأمن الصحي، ولمواجهة تفشيه، تم الاعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر التراب الوطني الى غاية 20 ابريل 2020 في الساعة السادسة مساء بمقتضى مرسوم، وايضا تم اعلان تمديد حالة الطوارئ الصحية الاولى الى غاية 20 ماي 2020 وتم ايضا التمديد للمرة الثانية تمديد حالة الطوارئ والحجر الصحي يوم 18 ماي من قبل مجلس الحكومة الى غاية 10 يونيو المقبل على الساعة السادسة مساء بمقتضى مرسوم.
شكلت الاجهزة الممارسة للشرطة الإدارية احد الوسائل القانونية لتنزيل أحكام حالة الطوارئ الصحية التي ينص عليها المرسوم والمتمثلة في منع الاشخاص من مغادرة مساكنهم إلا في الحالات الضرورية القصوى ووفق التدابير المفروضة ، ومنع التجمهر أو التجمع أو اجتماع مجموعة من الأشخاص وعلى إغلاق المحلات التجارية والمؤسسات التي تستقبل العموم، وكل مخالف لأوامر وقرارات السلطات العمومية يعاقب بالحبس من شهر الى ثلاث أشهر وبغرامة تتراوح بين 300 و 1300 درهم  أو بإحدى العقوبتين، وذلك دون الاخلال بالعقوبة الجنائية الأشد. كما يعاقب بنفس العقوبة كل من عرقل تنفيذ قرارات السلطات العمومية.
الاساس في هذه الظروف الاستثنائية هو الحضور البارز للشرطة الإدارية التابعة للسلطة التنفيذية وهنا نخص بذكر الولاة والعمال، الباشا والقواد والامن والقوات المساعدة على مستوى السهر في تنزيل التدابير التي ترمي الى فرض الحجر الصحي والحد من التنقلات وتجمعات الاشخاص وبإغلاق المحلات الغير ضرورية مثل المقاهي والمطاعم ومتاجر الملابس الى غير ذلك واغلاق المحلات المفتوحة للعموم خارج الاوقات المحددة ،وبمراقبة الاسعار وكل التدابير التي تهدف الى حفظ النظام العام والامن العموميين .
ويجد سند الشرطة الإدارية ذات الطابع التنفيذي في احكام المادة الثالثة من المرسوم المتعلق بإعلان حالة الطوارئ التي نصت على أن يتخذ ولاة الجهات وعمال العمالات والاقاليم ، بموجب الصلاحيات المخولة لهم طبقا للنصوص التشريعية والتنظيمية، جميع التدابير التي يستلزمها حفظ النظام العام الصحي في ظل حالة الطوارئ المعلنة بالإضافة الى المرسوم المحدد لاختصاصات وتنظيم وزارة الداخلية حيث تناط بهذه الاخيرة مهام "الإدارة الترابية للمملكة والحفاظ على النظام والأمن العموميين ".
ومن خلال صلاحيات رؤساء الجماعات في الشرطة الادارية بروز الدور الوقائي الكبير في ميادين الوقاية الصحية والنظافة والسكينة العمومية باتخاذ عدد من التدابير الاحترازية اللازمة للوقاية من انتشار الفيروس، خاصة التدابير المرتبطة بالوقاية الصحية والنظافة من تعقيم الاماكن والمرافق العمومية ووسائل النقل، واخرى مرتبطة بتقديم خدمات القرب بتوفير السلع والمنتوجات الضرورية للحد من انتشار الوباء.
وكي لا ننسى الدور الذي قامت به بعض الجماعات في هذه الظرفية الاستثنائية من خلال العديد من الاجراءات والتدابير والتي يجب على كل الجماعات العمل بها بدون استثناء جماعة عن اخرى ومن بين  الاجراءات نجد :
اول شيء قامت به بعض الجماعات بمجالسها المنتخبة المساهمة في الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا طبقا للمرسوم 2.20.269 الصادر بتاريخ 16 مارس 2020 المتعلق بالحساب الخصوصي المحدث لهذا الغرض.
وايضا اقتناء مواد التعقيم ومواد التنظيف والكمامات والقفازات وتوزيعها على المواطنين بشكل مجاني، وايضا اقتناء المواد الغذائية وتوزيعها على الفئات الفقيرة والتي تضررت من هذه الجائحة نظرا لفقدانها مصدر عيشها ،وكذلك اقتناء لوحات الكترونية لمساعدة تلاميذ الوسط القروي والاحياء الهامشية ،وكذا نشيد بمساهمة احد مجالس الجماعات القروية في اقليم الحسيمة عبر مجلسها تخصيص قدر من ميزانية الجماعة من أجل بطاقات التعبئة الانترنت لتلاميذ المقبلة على اجتياز امتحانات البكالوريا  2020 في شهر يوليوز المقدر ب 300 درهم لكل تلميذ كمساعدات لهم من اجل تتبع واستمرارا في الدراسة عن بعد. وايضا قامت العديد من الجماعات في الانخراط في الحملات التحسيسية والتوعوية الهادفة الى شرح مخاطر الوباء وكيفية الوقاية منه، وتحسين ظروف اشتغال الاطباء والممرضين ورجال السلطة والامن والوقاية المدنية عبر توفير كل الوسائل التي المتاحة لذلك خاصة وسائل التنقل .
كل هذه الاجراءات التي قامت بها بعض الجماعات فقط من اصل 1503 جماعة ترابية سواء حضرية او قروية يدفعنا لاستخراج اهم الخلاصات والنتائج المستخلصة من هذا الوباء وايضا التدابير التي يجب على الجماعات العمل عليها مستقبلا، وهذا ما سنتناوله في فقرتنا الاخيرة من هذا المقال . 
الفقرة الثالثة : الدروس المستخلصة من جائحة كورونا بالنسبة للجماعات الترابية

         من خلال مجموع الاختصاصات التي أسندها المشرع للجماعات الترابية بمستوياتها الثلاثة، يتبين بأن العديد من الاختصاصات يمكن تفعيلها لمواجهة جائحة كورونا، وتبقى الجماعات هي المعنية بشكل مباشر، ولهذا ينبغي للجماعات أن تقوم بكل التدابير التي من شأنها حفظ الصحة ومكافحة الوباء على مستوى النفوذ الترابي للجماعة، وايضا يجب ان لا يمر الوباء دون اخذ العديد من الدروس والعمل بها مستقبلا من اجل تحسين جودة الخدمات ومن اجل الرقي بالإدارة بشكل عام وتقديم خدمات القرب لدى المواطنين في احسن واجود الظروف الممكنة وتسريع وتيرة الخدمات من خلال تطوير الادارة الإلكترونية. 
ويجب على الجماعات الترابية ان تحرص على التنسيق الدائم مع ممثلي السلطات المحلية على المستوى الترابي المتمثلة في الولاة والعمال وباقي المسؤولين على المستوى الترابي احتراما للمادة الثالثة من مرسوم حالة الطوارئ الصحية.
كما يمكن أن تشكل حالة الطوارئ الصحية درسا يجب الاستفادة منه بشكل كبير في تطوير الادارة الالكترونية والخدمات عن بعد على مستوى الجماعات الترابية بمستوياتها الثلاث، وايضا تكوين الموظفين في المجال الالكتروني والمجال التقني من اجل تسهيل خدمات القرب من المواطنين وللولوج للخدمات عن بعد.
وايضا ضرورة توفر كل جماعة ترابية على خطة للطوارئ الصحية من اجل حفظ الصحة العمومية وضمان سير خدمات المرافق العمومية .
وكذلك لا بد من لجنة دائمة لليقظة والتتبع في كل جماعة ترابية .
وايضا ضرورة تخصيص موارد مالية مهمة من ميزانية للازمات والمخاطر التي يجب ان تدخل ضمن برامج عمل الجماعات .
توسيع مجالات الصلاحيات المجالس الترابية من اجل التدخل في مجالات محددة مرتبطة بالمواطنين كالرعاية الاجتماعية والصحة والتعليم .
وكذلك ايضا يجب احداث صندوق خاص بتدبير المخاطر والازمات في كل جماعة ترابية على حدة. 
وايضا توسيع اختصاصات المجالس الجماعية في تدبير مثل هذه الازمات والمخاطر وهذه الأوبئة وهنا نشير الى ضرورة اعادة النظر من الجانب القانوني وعدم انتظار توجيهات الوزارة الداخلية وتوسيع الاختصاصات للمجالس الجماعية.

إعادة النظر في هيكل لجان اليقظة المشكلة على مستوى العمالات بتمثيل المنتخبين بها.
كذلك ضرورة توفر اعلام للجماعات الترابية من احجل التواصل مع المواطنين ونشر الاخبار الصحيحة.
خلاصة

وختاما، يكمن القول بأن دور مجالس الجماعات الترابية تبقى بالاستناد على القوانين التنظيمية محدودا في مجال الصحي بشكل عام وفي الحالات الاستثنائية المرتبطة بانتشار الامراض الوبائية او الخطيرة .
وتظل حالة الطوارئ الصحية التي يعيشها المغرب وباقي دول العالم الناتج عن " فيروس كورونا كوفيد-19 " حالة واقعية تستدعي استحضارها في المراجعات التي قد تطال تعديل الدستور والقوانين التنظيمية للجماعات الترابية، بنفس يتجه نحو توسيع مجال تدخل الجماعات الترابية في المجال الصحي وكذا في الحالات الاستثنائية الناجمة عن انتشار الامراض الوبائية او الخطيرة.

المراجع المعتمدة
-الدولة والقانون في زمن جائحة كورونا -مؤلف جماعي  عدد ماي 2020
-ظهير شريف رقم 1.15.83 صادر في 20 من رمضان 1436 (7 يوليو 2015) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 111.14 المتعلق بالجهات.
-ظهير شريف رقم 1.15.84 صادر في 20 من رمضان 1436 (7يوليو 2015) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 112.14 المتعلق بالعمالات والاقاليم.
-ظهير شريف رقم 1.15.85 صادر في 20 من رمضان 1436 (7يوليو2015) بتنفيذ القانون التنظيمي رقم 113.14 المتعلق بالجماعات. 
- مرسوم رقم 2-20 -269 الصادر بتاريخ 16 /03 /2020 بإحداث حساب مرصد لأمور خصوصية يحمل اسم "الصندوق الخاص بتدبير جائحة فيروس كورونا كوفيد-19 "..
- مرسـوم بقانون رقم 2-20 -292 بتاريخ 23 /03 /2020 يتعلق بسن أحكام خاصة بحالة الطوارئ الصحية وإجراءات الإعلان عنها.
- مرسوم رقم 2-20-293 بتاريخ 24 /03 /2020 ،بإعلان حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا كوفيد19.
-مرسوم رقم 2.20.371 صادر في 25 من رمضان 1441(19 ماي 2020) بتمديد مدة سريان مفعول حالة الطوارئ الصحية بسائر أرجاء التراب الوطني لمواجهة تفشي فيروس كورونا -كوفيد 19
احمد مفيد استاذ باحث في القانون الدستوري  مقال بموقع بناصا حول دور الجماعات الترابية في مواجهة جائحة كورونا .

1 commentaires so far

على ما أظن أن هذا الموضوع شبيه إلى درجة كبيرة في التحليل لما تعرض له الأستاذ محمد الكميري في نفس الموضوع، كما أن الموضوع يفتقر للإحالات


التعبيراتالتعبيرات