لم يعد استمرار تعذر الولوج إلى البوابة الوطنية للصفقات العمومية مجرد انقطاع تقني عابر، بل أصبح وضعا يثير تساؤلات جدية حول استمرارية مرفق رقمي أساسي ترتبط به مصالح الإدارات العمومية والجماعات الترابية والمؤسسات والمقاولات والمتعاملين الاقتصاديين.
فمنذ أواخر أكتوبر 2026، دخلت البوابة في مرحلة توقف احترازي على خلفية ثغرات أمنية خطيرة مرتبطة بلغة البرمجة PHP، وهي ثغرات استدعت تحركا دوليا عاجلا. غير أن فريق تطوير PHP أصدر بالفعل، بتاريخ 21 أكتوبر، تحديثات أمنية لمعالجة هذه الثغرات، مع توصيات واضحة بتثبيتها لحماية الخوادم والتطبيقات المعنية.
وكان من المفترض، وفق الإعلانات المتداولة، استئناف الخدمة يوم 26 أكتوبر، والعودة إلى الإجراءات العادية ابتداء من 27 أكتوبر، مع ترتيبات لتأجيل بعض الآجال التي تزامنت مع فترة التوقف. لكن سرعان ما تجددت صعوبات الولوج مطلع نونبر، لتجد البوابة نفسها خارج الخدمة مجددا، دون توضيح عمومي كاف بشأن موعد العودة النهائية أو طبيعة الأشغال الجارية.
وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يتعلق الأمر باستمرار معالجة اختلالات أمنية وتقنية معقدة، أم أن فترة التوقف أصبحت مناسبة لإجراء تحديثات أوسع تشمل البنية التقنية أو التصميم والواجهة؟ خصوصا مع ملاحظة ظهور واجهة بمظهر مختلف عما اعتاده المستخدمون.
لا يمكن الجزم بوجود مشروع لإعادة الهيكلة أو اعتبار تغيير الواجهة دليلا على ذلك، كما لا تتوفر معطيات تثبت وجود استغلال للظرفية الأمنية لأغراض أخرى. لكن من حق المرتفقين والمستعملين معرفة حقيقة ما يجري، والتمييز بين الضرورات الأمنية والأشغال التطويرية، مع تحديد موعد واقعي لاستعادة الخدمة.
ففي عصر أصبحت فيه البرمجة وصيانة الأنظمة المعلوماتية تتم بوتيرة متسارعة، وبوجود مهندسين وتقنيين ذوي كفاءة وتخصص، فضلا عن أدوات الذكاء الاصطناعي التي باتت تساعد على تشخيص الأعطاب وتحليل الشيفرات واختبار الحلول وتسريع عمليات الإصلاح، أصبح من المشروع التساؤل عن أسباب استمرار هذا الانقطاع طوال هذه المدة.
وبطبيعة الحال، فإن الأمن المعلوماتي ليس مجالا يقبل التسرع أو التضحية بسلامة البيانات مقابل استعادة الخدمة بسرعة؛ لكن ذلك لا يعفي الجهات المشرفة من واجب التواصل والشفافية ووضع خطة واضحة لاستمرارية المرفق الرقمي.
الأثر الحقيقي يتجاوز مجرد تعذر فتح موقع إلكتروني
إن الفئات المتضررة من هذا الوضع لا تقتصر على المقاولات الراغبة في المشاركة في طلبات العروض، بل تشمل أيضا الإدارات العمومية التي سبق لها نشر صفقات عمومية وسندات طلب، وأصبحت مطالبة بتدبير التزاماتها المالية والإدارية في ظروف استثنائية.
فنحن على مشارف نهاية السنة المالية، وهناك إدارات لديها اعتمادات والتزامات مرتبطة ببرامج سنوية، وأشغال وتوريدات وخدمات يفترض استكمال مساطرها وفق الآجال والضوابط المعمول بها، مع ضرورة احترام قواعد الالتزام بالنفقات والتصفية والأمر بالصرف والأداء.
كما أن استمرار تعطل المنصة قد يربك المقاولات المرتبطة بعقود والتزامات تخص التوريدات والأشغال، ويؤثر على برمجة تدخلاتها ومواعيد تنفيذها، فضلا عن الإشكالات المرتبطة بالضمانات الإلكترونية الموقعة أو المودعة عبر المنصة، والملفات التي تنتظر استكمال إجراءاتها.
ولا ننسى المقاولات التي تستعد لتقديم عروضها داخل آجال محددة، والتي قد تجد نفسها عاجزة عن تحميل الوثائق أو إيداع ملفاتها إلكترونيا، بما يطرح إشكال تكافؤ الفرص وضمان حقوق المتنافسين.
المطلوب اليوم ليس فقط إعادة تشغيل المنصة
إن المطلوب من الجهات المشرفة، وعلى رأسها الخزينة العامة للمملكة، تقديم توضيحات رسمية بشأن:
الأسباب التقنية الدقيقة لاستمرار التوقف بعد صدور التحديثات الأمنية الخاصة بـPHP.
طبيعة الأشغال الجارية، وهل تقتصر على المعالجة الأمنية أم تشمل تحديثا شاملا للمنصة؟
الموعد المحدد والنهائي لاستئناف جميع الخدمات، وليس مجرد إظهار الصفحة الرئيسية.
مصير الصفقات وسندات الطلب والمساطر التي تزامنت آجالها مع فترة الانقطاع.
التدابير المتخذة لحماية حقوق الإدارات والمقاولات، خصوصا فيما يتعلق بإيداع العروض والضمانات الإلكترونية والآجال القانونية.
توفير آلية بديلة أو قناة رسمية للتواصل ومعالجة الحالات المستعجلة إلى حين عودة الخدمة بصورة طبيعية.
الرقمنة مسؤولية وليست مجرد واجهة إلكترونية
لقد قطعت الإدارة المغربية أشواطا مهمة في مجال التحول الرقمي، وأصبحت بوابة الصفقات العمومية إحدى الأدوات الأساسية لتكريس الشفافية وتبسيط المساطر وتكافؤ الفرص.
لكن نجاح الرقمنة لا يقاس فقط بجمالية الواجهة أو تعدد الخدمات الإلكترونية، وإنما بقدرة هذه الخدمات على الاستمرار والاشتغال بانتظام، وبوجود خطط فعالة للتعامل مع الأعطاب والأزمات التقنية.
إن حماية الأنظمة المعلوماتية ضرورة لا نقاش فيها، لكن حماية مصالح المرتفقين والإدارات والمقاولات لا تقل أهمية عنها.
فهل ستكتفي الجهات المشرفة بإعادة تشغيل البوابة، أم ستقدم أيضا توضيحات تضع حدا لحالة الانتظار والغموض؟
إن استمرار هذا الوضع، في ظرفية مالية وإدارية دقيقة، يستدعي تدخلا مؤسساتيا عاجلا، لأن الوقت الذي تضيع فيه الخدمات الرقمية لا يظل مجرد وقت تقني، بل قد يتحول إلى تأخير في إنجاز المشاريع، وتعثر في تنفيذ الالتزامات، وإرباك لمصالح المرفق العام والفاعلين الاقتصاديين.
